أصبح التخطي هوسًا يلهث الجميع خلف حقيقته ، وصار السؤال عنه يسبق السؤال عن الرغيف ،وجوده بين طيات الحكايات يقودني لفهم هندسة هذا الهوس . ماذا نحتاج فعلا لنكون بخير؟
العافية كلمةٌ هادئة منسية، كلمة حتى تنسيق حروفها وطريقة نُطقها بمثابة أنسٍ للروح ،إذا مرت على مسامعنا تحسسنا بالراحة فما بالك إذا عشناها؟
لكن ..! يجب أنْ نفهم أنّ العافية غاية لن نبلغها إلا ب"التعافي" الذي سنتطرق لجانب من جوانبه بين هذه الأسطر :
ف"العافية هي أن تكون بخير، أما التعافي فهو أن تقرر أن تكون بخير، وبينهما تكمن كل شجاعة الإنسان."
إنّ مفهوم التعافي لا يتوقف عند حدود الشفاء من سقمٍ جسدي أو عقلٍي، أو تجاوز نوبات الاكتئاب؛ بل هو رحلةٌ أوسع نحو حياة كريمة ورفاهية نفسية مستدامة، تسكنها رغبةٌ صادقة في التحسن واكتشاف الذات. وإذا تعمقت في صُلبه، وجدتَ أنّه استحقاق شخصي تتحمل مسؤوليته الكاملة؛ فأنت وحدك صاحبُ القرار، فلا جدوى من امتلاكك مفتاح الحرية بينما تختار البقاء خلف القضبان.
كبشر توجد بديهيات لا نقاشَ فيها أجدر ما يقال عنها فطرة..
أنت خليفةُ الله في الارض لِتُعمرها، منذ متى اختفت رغبتك في النهوض من الفراش أهذا عاديٌ في نظرك ؟
سخر لك حياةً بأكملها ودّبر لك أدق تفاصيلها ،منذ متى أصبح الهاتف مهرباً من حياتك ؟
جعل لك الليل لباساً والنهار معاشاً ، منذ متى ونومك مبعثر؟
خلق لك من الأطعمة ما لذ وطاب ،منذ متى ومعدتك محرومة منها بحجة غياب الشهية ؟
خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف ، منذ متى وأنت منغلق على نفسك في غرفة العزلة؟
هل انتهى الأصدقاء حتى اتخذت الندم خليلا؟
كيف تشعر بالملل والفراغ وهناك جروح يجب أنْ تُلقي عليها نظرة إنّها على وشك التعفن يا صديقي.
لست رجل آلي أنت انسان ذو قلب وروح وجسد تمر بك لحظات تصبح فيها كل ما ذُكر سابقاً أمرا عادي فحتى سيدنا يعقوب {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}، لكن إذا وجدتها تمد يدها على علاقاتك وعلى ما تحب وتسحب منك حياتك وتُوقِفُك عن السعي وتُحَوِّلك إلى ساخطٍ على القدر و تُخرجك مِنْ رحمةٍ وَسِعت كل شيء هنا ناقوس الخطر يدق ولَيْتك تسمعه .
ويجب عليك سماعه فهذا هو الحزن الذي استعاذ منه نبينا محمد ﷺ: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)
ستَسْلَم إذا عاملته كالنفق وليس كالمسكن.
وإن كنت أنت بخير ، انتبه لمن تحب لعلك تجد فيه هذه الأعراض ، ولا تستغرب إذا انتبهت لهذا بعد فوات الأوان ولا تتسائل كيف غاب عن عينك ذبول من هو أمامك ولم تكتشف ذلك لأن في أغلب الحالات حامل الاكتئاب في حد ذاته لا يدرك مدى ثقل الحمولة على كتفه ، تَعَوَّد على السواد ستعميه الألوان؛ ليس غباءًا منه أو استهتارًا مقصود، لكنه يملك وجهة نظر واحدة كلها يأس لا يدرك وجود جانب مشرق للعالم، حتى لو تحدثت معه حول ذلك وكأنّك تَعْزِفُ في غرفةٍ صماء ، هكذا هو الاكتئاب.
حتى العلوم لم تتغاض عن خطورة الاكتئاب حيث كشفت الدراسات أنّه ليس مجرد مزاج سئ عابر بل عجز كيميائي و اِنخفاض في ناقلات السعادة والدافعية مما يطفئ حيوية الدماغ، وتقلص واضح في مناطق من الدماغ مما يسبب الضبابية الذهنية وعدم الرغبة في القيام بأبسط المهام ، يتبعه تضخم نشاط اللوزة الدماغية (مركز الخوف) وهذا تفسير عقلك الذي لا يهدأ إنه في إنذار دائم .
في المقابل تقول صاحبة التجربة -جيمي لي كورتيس-: "التعافي هو قبول أن حياتك في حالة فوضى، وعليك تغييرها."
أولها التقبل ليس الاستسلام بل التصريح الواضح بأنك تعاني بعيدا عن نكران الشعور مهما كان وتجاهل الأسباب، حتى طلب يد العون ليس وصمة عار ، بل هي الخطوة الأساسية نحو التغيير.
في طريقك للتعافي ستجد عقبات تعلم منها واكمل محاولاتك فهي انجاز يُكسِبُك المرونة والصبر على الانتكاسات. كما يُقال : الوقوع معلومة، والمعلومة إن استُخدمت… تصبح قوة، فالحكيم لا يُقاس بعدد مرات سقوطه، بل بسرعة قيامه، وبذكاء خطواته بعد القيام. هنا عندما تتسامح مع الأخطاء تتحول الانتكاسة من عثرة إلى نقطة تحوّل.
الانتقال إلى مرحلة الشفاء من الصدمة العاطفية يتطلب الكثير من الطاقة لهذا قد تجد أنك متعب أكثر من المعتاد؛ دون أن تشعر ستنمو فيك أساليب التأقلم وقوة تُوازِنُ بها الماضي والحاضر والمستقبل دون تداخل بين الأطراف.
خذ راحتك ووقتك الكافي للشفاء لا تستجعل، فالحزن في الإسلام شعور إنساني وليس خطيئة ، من العادي جداً أن يطول ، فإستمرار ابتلاء سيدنا أيوب ل40 عاما هو ما جعله من أعظم قصص الصبر .
قبل أن تقول أنا لم أتخطى ، هل تعرف المعنى الحقيقي للتخطي !!
لن يُشكل التعافي غيابًا تامًا للذكريات أو المشاعر المصاحبة للحدث المؤلم، ولكنه ينطوي على وضع الحدث خلفك وإضافته في تاريخك كحدث سردي ليس كمحور يوقف سيرورتك، بحيث لا يكون مسيطرا على عواطفك؛ يعني بقاء الندبة مثل ذكرى مَن أخذته الموت مِنّا ستكون حزن عابر وهذا عادي الأهم أنّ الجرح توقف عن النزيف .
وهو ليس انعدام للشعور بل إدارته دون الهروب و تخبئته بادمان على سلوكيات تدمير ذاتي.
ستسمع ذلك الكلام الذي أثار نيراناً في صدرك ولن يتحرك لك ساكن.
لن تشعر بحُرقَة الدموع أمام ما بكيت عليه ليالي.
وحتى لو تأثرت لن تتأثر بنفس الدرجة أو بالأحرى أنت تتعود وتُنظف قلبك من بشاعة ما فات .
حتى ذلك الاشتياق ليس حنينا لتلك البيئة السامة أو الشخص المؤذي ، هو حنين للذكريات ولأيام جميلة ولنسختك التي تعتبر سعيدة مقارنة بالآن لا تجعلها تُغريك في العودة لما لا يستحق التواجد في أيامك.
أما في حالة ما إذا كان في كل مرة تتذكر الحدث وحدة الألم لم تنخفض هذا يدل على أنّك لم تتعالج نفسيا بعد، ما يدعى ب" عدم معالجة الصدمة" هنا تحتاج تدخل مختص في المجال .
في نفس السياق، تقدم قصة سيدنا يوسف نموذجاً قرآنياً فريداً في التعافي النفسي من صدمات الغدر، اليتم، والسجن، وتُتَوّج بالعفو عند المقدرة قائلًا: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيكُم}،{إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} فهو خير قدوة في تجاوز الماضي وإدارة العواطف بذكاء.
ستركز على ما تملك فمن النضج معرفة انعدام سيطرتك على كل شيء، وتتبنى ردود فعل تتناسب حقا مع قِيَمك الحقيقية مريحة لجهازك العصبي مدركة للمحفز وخلفياته .
شاهدتُ الكثير من انهياراتك أتمنى رؤيةَ نسختك الشامخة، النسخة التي لن تسمح لهم بإهانتها. فمن علامات الشفاء أنْ لا تجعل معرفتهم بك تُنسيك مَنْ أنت، لأنّك وحدك مَنْ تَعرف كواليس ما حدث؛ لا أقصد أنْ تخضع لما لا تستحقه فقط عليك أنْ تجعل الامتنان رفيقًا لك ، أن تدرك ما لك وما عليك.
كونك إنسان لن تصل الى المثالية أما لو كنت شيئا آخر غير الإنسان هنا يمكننك مناقشتي.
لن يختفي الخوف للأبد ولن يغادر الألم لكن الآن لديك أسلحة ورابطة أعمق مع نفسك تواجه بها ستحتويه لن يحتويك .
ولو تجرأ وغَلَبك استعن برب العرش فهو سندٌ لا يميل .
وإن انقطعت السُبُل فالحمدلله على نعمة النسيان.
وإن لم تَنْسوا اصبروا فالآخرة خير وأبقى .
يقول الله -تعالى- في سورة الزمر: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
أعلمُ جيدا أنَّ الكلام سهل واصدار الأحكام على المشاعر دون عَيْشها أسهل ،وحتى أساليب الشفاء لا زالت قيد الدراسة، ورغم الغزو التكنولوجي إلا أنّ النفس البشرية كلما تَوَهمْت بِأنّك تعرفها تُفاجئك باِختلافها فهي غير قابلة للتعميم .
أنا حاولت أنْ أُمَهِدَ لك الطريق، لعلك تستوعب أنّك تغرق حتى ولو لم تشعر أنا هنا أنا أشعر بأنفاسك تنقطع في القاع ، حاولتُ أنْ أُزِيل ترددك من الاتصال بالمساعدة، كلنا نحتاج من يهتم بنا ويخفف عنا من يفهمنا دون كلام ويستمع لنا دون تبرير أو انتقاد ، تخيل حتى الطبيعة تشاركنا التعافي بعد كل كارثة طبيعية. فما فائدة الجاه والمال في غياب الحنان ؟
فكرة أنَّ من يذهب لطبيب نفسي مجنون او تالف العقل سئمت منها، عساها تنقرض كما انقرضت الديناصورات؛
لو ارَدْتُ الحديث عن مدى اشمئزازي من المعتقدات التافهة لاِحْتَجْتُ إلى لغة لم تُخترع بعد، وإلى عمر يمتد لآلاف السنين فقط لأُبَيّن لهم أنّ القيود التي قدّسوها تسقط أمام منطق طفل صغير يكتشف العالم .
أنت تستحق أن ترى ما خارج المستنقع لا تجعلهم يقنعونك بغير ذلك، وكأنهم ليسوا بشرا مثلك.
ألا يقتُلُك الفضول لتجربة الأمان والاطمئنان ؟
ألا تتشوق لرؤية زهرتك تنمو دون حيرة ؟لأن الحياة لن تتوقف بمجرد ذبولك.
وحتى لو شُفِيت لا تستسلم لكي لا يذهب كل ما تحملته عبثا ، وَاصِل الكفاح لتحافظ على استقرارك وراحتك النفسية .
وفي الختام ، نسأل الله عافيةً تامة لا تنسينا فضله ولا تلهينا عن شكره ما حيينا.
اللهم إنا نبوء إليك بضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الدنيا..
يا من واسيت نبيك محمداً ﷺ بعد فقد السند وقسوة الحياة، وجَبرت خاطره برحلةٍ لم تخطر على قلبِ بشر؛ نسألك إسراءً لروحنا يُخرجنا من ضيق أنفسنا إلى رحابة قُربك، و معراجاً لقلوبنا يرفعنا فوق هموم الأرض، ويضعنا حيث الطمأنينة التي لا يمسها نصب.
اللهم اجعل تعافينا ملجأً إليك، نترك فيه ما يؤلمنا لنستقبل ما يُحيينا .
.



نصٌّ يُعري الهروب ويُرمم المسافة بيننا وبين فطرتنا. لقد وضعت الإصبع على موضع الداء: نحن لا ينقصنا التخطي كفعل، بل تنقصنا الشجاعة كقرار. الاكتئاب ليس قدراً، بل هو ضياعٌ في زحام المهربات الرقمية والهروب من مواجهة 'الندوب' التي كادت أن تتعفن.
التعافي ليس نسياناً، بل هو أن نضع الماضي في مكانه الصحيح؛ كحدثٍ سردي انتهى، لا كمحورٍ يحرك حاضرنا. العافية استحقاق، ومن اختار البقاء خلف قضبان يأسه رغم امتلاكه مفتاح القرار، فقد ظلم أمانة الروح التي استخلفه الله عليها.
شكرًا لهذا البيان الذي أيقظ فينا ناقوس الخطر، وذكّرنا أن الحزن نفقٌ للعُبور، لا مسكنٌ للاستقرار
Habiiit 😻😻😻